محمود بن حمزة الكرماني
164
البرهان في متشابه القرآن
السَّاجِدِينَ . قالَ ما مَنَعَكَ « 1 » فحسن حذف حرف النداء والمنادى . ولم يقرب في « ص » قربه منه في هذه السورة ؛ لأن في « ص » : إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ « 2 » بزيادة استكبر ، فزاد حرف النداء والمنادى وقال : يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ . وكذلك في « الحجر » فإن فيها : إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ « 3 » بزيادة « أبى » فزاد حرف النداء والمنادى فقال : يا إِبْلِيسُ ما لَكَ . * قوله تعالى : أَلَّا تَسْجُدَ ، وفي « ص » : أَنْ تَسْجُدَ ، وفي الحجر : أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ، فزاد في هذه السورة ( لا ) . وللمفسرين في ( لا ) أقوال : قال بعضهم : ( لا ) صلة ، كما في قوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ « 4 » . وقال بعضهم : الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه . وقال بعضهم معناه : ما الذي جعلك في منعة من عذابي ؟ وقال بعضهم معناه : من قال لك لا تسجد « 5 » ؟
--> ( 1 ) الأعراف وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ الآية : 11 . ( 2 ) سورة ص الآية : 74 . ( 3 ) الحجر فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ . قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ . قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الآيات : 30 - 34 . ( 4 ) سورة الحديد لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الآية : 29 . ( 5 ) قال الفراء : [ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ : المعنى واللّه أعلم : أن تسجد . و « أن » في هذا الموضع تصحبها « لا » وتكون « لا » صلة ، كذلك تفعل بما كان في أوله جحد . وربما أعادوا على خبره جحدا للاستيثاق من الجحد والتوكيد له . . . ] إلى أن قال : [ ومثله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ 109 : الأنعام ، ومثله : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ 95 : الأنبياء ، ومثله : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ 29 : الحديد ] . إلى أن قال : [ وقوله : ما مَنَعَكَ : « ما » موضع رفع : ولو وضع لمثلها من الكلام جواب مصحح كان رفعا : وقلت : منعني منك أنك بخيل . وهو مما ذكر جوابه على غير بناء أوله . فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ولم يقل : « منعني من السجود أنى خير منه » كما تقول في الكلام « كيف بت البارحة ؟ » . فتقول : « صالح » فيرفع ، أو تقول أنا بخير . فيستدلّ به على معنى الجواب . ولو صحح الجواب لقال : « صالحا » أي « بت صالحا » ] . معاني القرآن 1 / 374 . وقال البيضاوي : « لا » صلة مؤكدة من الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على أن الموبّخ عليه ترك السجود ، وقيل : الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل : « ما اضطرك إلى ألا تسجد إذ أمرتك » أنوار التنزيل ص 200 .